لقمان بن عاد المغرور ببقاء النسور ج 5
كتبهاأمجد نصرالله ، في 28 شباط 2008 الساعة: 06:06 ص
نواصل نشر قصة الدكتور المنسي و التي نشرت في مجلة العربي عام 1984 و هي قصة تستحق أن تروى لا أن تطوى دعونا نكمل الحكاية :
النسر الرابع :
بدأت حياته مع النسرالرابع بداية عاديه . كان يدرك انه لن يستطيع الحصول على كل شئ وأن الحزن المتكرر هو شيخوخه مبكرة . كان قد عرف حكمه الأيام وباح له الدهر بسره وسعت كل القبائل اليه من اجل المعرفه ولكن كان مازال عليه ان يتعلم الكثير من يهود بني(كركر)
كانوا قبيله غريبه تسكن في شمال اليمن ، تسري في عروقه دماء فيها مزيج من الغضب والفتنه والشقاق. حاربوا كل ماحولهم من القبائل وحاربوا أنفسهم وبغوا وخانوا ، ونقضوا العهود كأن هناك حشرات غريبه تسري في خيامهم تمنعهم من الراحه والإحساس بالحياة في أمن.
كانوا اشبه بكتلة كابوسيه سوداء رابضه فوق الرمل الأصفر متأهبة دوما لحرب ما.. أو لفتنه ما.
ولأنه لم يكن من الممكن السكوت عليهم فقد تآلبت القبائل كلها عليهم .. وكان لحل الوحيد هو أن يبيدوهم ويتخلصوا منهم.
وأحس بنو كركر بالفزع .. حاولوا بكل طرقهم الملتويه للإيقاع بين القبائل ولكنهم فشلوا .. أرسلوا نساءهم الفاتنات ولكن هذا الحل أيضا لم يجد شيئا، وأخيرا ذهبوا إلى حكيمهم يهودا الذي كان عائدا لتوه من عكاظ .. قال لهم :
- استجيروا بلقمان بن عاد فإن أجاركم أجارتكم قبائل حمير كلها ومن يقدر على حمير.
كان هذا هو أملهم الوحيد ، أن يعلنوا توبتهم بين يديه.. وأن يبدوا الندم على كل مافعلوه.
وهكذا هدموا خيامهم وشدوا رحالهم وساقوا قطعانهم .. وساروا اليه في طوفان صارخ:
- أجرنا يالقمان ..
كان يطعم نسره الرابع وهم يشكون هوان أمرهم والأخطار التي تحيق بهم . كانت وجوههم متشابهة ، نفس السحنة اليهوديه التي تشوبها صفرة الفزع ، ولكنه خلال هذه الوجوه الكئيبه .. رأى عينين تتطلعان إليه ، تومضان في داخله .. كانت إمرأة وكانت جميله وبقدر الزمن الذي عاشه فلم يرى مثل تلك الفتنه التي تشع من هذا الوجه ، ولم يعلمم انه يوجد على جبال اليمن نجوم بهذا التألق ، وكان شيوخ حمير يحذرونه من بني كركر :
- لاتجرهم فهم أهل فتنة وشقاق .
ولكنه لم يستمع إليهم .. أجارهم .. وحدد المكان الذي سينزلون به .. والأرض التي سيستخدمونها للرعي ، وبينما هو يخط حدودهم بطرف رمحه وجد المرأة امامه فهمس لها.. أتتزوجينني .. قالت هذا ماجأت اليك من أجله.
كان إسمها ((سوداء)) أخذها وصعد بها الى كهف أعلى الجبل ، أقرب ماتكون الى نسره والى النجوم التي تتألق في عينيها .. لم يكن صغيرا في العمر ولكن أحس بالغيرة وكانت هي تتطلع الى هذا العمر الذي يتراكم على كاهله دون شيخوخه .. ولم تملك الا ان قالت في حسرة:
- سوف أتحول أنا إلى عجوز .. وتبقى انت كما أنت لتتزوج من أمرأة أخرى.
كان يحبها حتى أعتقد انه سوف يقاسمها اعمار النسور .
- بل سوف تمتزج روحنا ويستطيل عمرنا معا.
ولكنهما كانا بعيدين .. كل منهما ينتمي إلى عالم آخر .. وزمن آخر .
كانت تحلم بالسنوات القليله الماضيه .. لكنه كان يهذي بحكمه القرون الطويله.
ولابد أن جمال((سوداء)) قد إزداد بعد الزواج فقد رآها (الهمسيع) ابن سيد بني كركر .. لعله لم يفطن إلى وجودها بين نساء القبيله الا بعد أن إختارها لقمان .. ولكنه عندما رآها ذات مرة وقد هبطت من كهفها العالي لتزور أهلها صمم على أن ينالــــــها
جمع شيوخ القبيلة ودهاتها وقال لهم بصراحه :
- أريد إمرأة لقمان … صاحوا في فزع … ماذا؟؟ انه سيدنا وحامينا … وهو الذي أنقذنا من شر الإبادة. قال في تصميم :
- إذا لم تساعدوني قتلته وجعلت حمير هي التي تبيدكم من على وجه الأرض هذه المرة .
كانوا يعرفونه جدا ، أكثرهم شرا وألأمهم نفسا.
كانوا يعرفون ايضا مدى اضطرام رغباتهم عندما يقفون إلى أشياء لا يستطيعون امتلاكها .
كأن تهديد الهمسيع قد أزاح التراب عن كل الفتن التي حسبوا انها ماتت فإذا بها تتلظى بداخلهم كالجمر ، ورغم انهم انصرفوا من المجلس مترددين الا انهم حين عاودوا الإجتماع مرة أخرى كان كل واحد فيهم يحمل في داخله فكرة ما .
اعترض بعضهم ، ذكرهم بفضل لقمان عليهم ، لكن معظمهم لم يبالي .
نزعوا ثوب الخمول واستيقظت داخل كل منهم روح اليهودي القديم الذي يمكن ان يدمر المعبد فوق رأسه .
وعندما وضعوا ملامح المؤامرة تقافزوا في نشوة ثم أسرعوا الى لقمان وهم يبكون :
-أنقذنا يالقمان لقد حميتنا من شر الآخرين فاحمنا من شر انفسنا .
نظر اليهم في دهشة . قالوا انهم عندما كانوا يحاربون الآخرين كانوا قوة واحدة ولكنهم الآن مهددون بالحرب فيما بينهم ، وهتف شيخ كبير منهم
- لقد جمعنا رماحنا وسيوفنا وجعلناها حزمة واحده ، إحملها الى بيتك واحفظها بعيدا حتى نكون دائما عزلاً لا نقوى على القتال.
وكان هذا الإقتراح ادعى لزيادة اطمئنان لقمان … واطمئنان معارضيه من حمير .
من يصدق ان بني كركر في هذه المدة الوجيزة قد نبذوا القتال ؟
كانت حزمه الرماح كبيرة ولم يكن هناك مكان آمن الا مغارته في أعلى الجبل ورفعوها معه حتى اوصلوها الى باب المغارة ، وكانت سوداء تتأمل هذا الحمل الثقيل في دهشة .
وأدهشتها أكثر تلك الإبتسامه الخبيثة التي رأتها على وجوه قومها وهم يؤكدون عليها أن تعتني بهذه الكومه من الأسلحة .
وغاب لقمان عن كهفه عدة ليال … ثم عاد ذات مساء … كان يحمل نسره فوق يده ، وعندما وقف على باب الكهف رآهما معا على فراشه .
كانت النار خابية وحزمة السلاح مفكوكة ، والخيانة مريرة ، ودون أن يدري كان يضغط بيده … شئ حي ينتقض لحمه … أم لحمها … حدقت المرأة في رعب … وقفز الهمسيع … وكان النسر قد سكن في يده … لم يكن لهما مهرب فقد كان لقمان يسد بجسده فتحة الكهف … وصرخت المرأة فرفعها وألقاها على جدران الكهف الصخري وأمسك الرجل وأعاده الى حيث جاء الى حزمة الأسلحه وربطها بإحكام ثم رفعها وألقاها بأقصى قوته من أعلى مكان في الجبل … ولكنه كان قد فقد الكثير.
لم يعد الغضب كافيا ولا الإنتقام من بني كركر … كانوا يرتعدون كعادة اليهود في لحظة الضعف… بكوا … لم نكن نعلم … لقد خدعنا… كانوا يكذبون … ولكن لقمان لم يكن يريد المزيد من الدماء المسفوكة … طلب منهم ان يرحلوا … أن يحلوا خيامهم ولا يبقوا خلفهم أي أثر يذكره بهذه التجربة المريرة.
وعندما نظر إلى صفحة الماء رأى علامات الشيخوخة للمرة الأولى كأن وجهه جبل صلد قد تشققت صخوره
فكر … إنني ما أزال على منتصف عمري الموعود باق من النسور ثلاثة … ولكنه كان يدرك أن كل نسر من النسور الأربعة الماضية أخذ أمام سنواته شيئا من هدوء نفسه واستقرار روحه.
دفن النسر وتركهم يدفنون المرأة . هجر الكهف وعاد إلى قومه من أهل حمير وظل ساهرا للفجر حتى جاءته الأصوات :
- يالقمان المغرور ببقاء النسور .. لك في الجبل الأيسر .. بين منبت الشت والعرر .. فأخرجه واستبشر فبطاعتك قد أمر .. والى الموت يسير البشر .. الموت.. إلى متى يظل في ملاحقته؟؟!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص خيال علمي | السمات:قصص خيال علمي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























